شــعاع نيوز
Shuaa News
مذكرات فتاة الحصار


شعاع/ خاص

بقلم: زهراء دادش


الساعة الثامنة مساء، هدأ القصف نوعاً ما .. خرجنا من القبو الذي كنا نحتمي به من الصواريخ والقذائف.. كنت منهكة جداً وأكاد ألتقط أنفاسي بصعوبة بالغة .. غبار ودخان ورائحة البارود غطت الأجواء 
وكأن شبح الموت لم يبرح هاتين البلدتين المحاصرتين منذ أكثر من 30 شهراً.. الكل يحث الخُطا مسرعاً ليطمئن عما حل بمنزله .. أحمد ذو الخمسة أعوام يشد يد أمه ويكسر صوته صمت المكان "بدي آكل.. جوعان".. عدة ساعات مضت ونحن في القبو .. نحتمي من الصواريخ التي نزلت فوق بلدتينا بالعشرات .. قطعان من الذئاب البشرية لازالت تحوم في المكان .. تتنهد الأم وتحاول أن تداري دموعها "ماشي يا حبيب الماما بس نوصل ع البيت" .. لم يترك زوجها لهما سوى بذته العسكرية الملطخة بدمه وقد مزقتها شظايا صاروخ سقط قربه وهو يحاول قبل أشهر رد عدوان جبهة النصرة وأعوانها على بلدتي الفوعة وكفريا .. ارتقى حينها عدد من الشهداء .. ليست أم أحمد الوحيدة التي لاتعرف من أين تعثر على طعام وسط هذا الحصار ..
نظرة إلى وجوه النساء والأطفال الخارجين من القبو تخبرك ربما بما لم ترَه ولم تسمعه وحاول كثيرون طمسه .. لكن لا بد أن يسجل التاريخ ذلك 


قصص أخرى للكاتب:

- عروسة التهجير

-  رحلة الموت

- مذكرات فتاة الحصار

- شمعة حزيران

- مذكرات ريم


صوت الأمعاء تبدو واضحة .. وصلت للمنزل .. بدأت اركض حوله لأرى إن كان قد أصابه مكروه .. سقطت قذيفة على منزل قريب منا وأسقطت معها تلك الزيتونة التي نصبنا عليها أرجوحتنا منذ زمن .. غبار وركام وأحجار متساقطة وكثير من شظايا الزجاج تملأ الطرقات .. اتجهت نحو شرفة المنزل لأرى ما الذي يحصل بعد .. ثمة أصوات اطلاقات نار متقطعة ومن ثم أصوات انفجارات على بعد مئات الأمتار .. بدأ الصوت يخبو وكانت بضع طلقات تكسر حاجز الصمت كل دقائق .. أرى أضواء بعيدة ..بضع مئات من الأمتار وربما أكثر هي ما يفصلنا عن حريتنا، عن إنسانيتنا ، عن نصرنا .. 
أعيد رأسي للخلف لأخي وهو يطلب ما يأكله .. أمي تخبره انتظر .. لكنه لم يعد يحتمل .. آه لو رأيتم هذه الوجوه وقد نال منها الجوع والخوف منهم .. آه من قلة الحيلة ومن ليل أرخى سدوله وطال حتى بات محال ...
تعود أصوات الاشتباكات من بعيد مجدداً، أراقب التلال التي تخبئ خلفها حريتنا .. أرى قذائف النار البعيدة تخرج من مكان وتقع في مكان آخر .
أعرف أن معارك طاحنة تحدث على بعد كيلومترات منا ..
شعرت بالخوف وحدي، فعدت لأهلي ووجدتهم اجتمعوا كعادتهم حول الراديو يترقبون خبراً أو نبأ يحمل فرجاً إلينا، مذيع الراديو يتحدث عن وضع البلد، فيمر على المحافظات واحدة تلو الأخرى ..
وأنا أعد اللحظات التي يبدأ فيها بالتحدث عن محافظة إدلب..
أتلهف لكل كلمة .."متى ستقول أيها المذيع إن قواتنا المسلحة قد حررت مدينة إدلب كاملة، ووصلت لقلعتي الصمود.. وصلوا إلينا في كفريا والفوعة وفكوا حصارهما بعد سنوات من العذاب المرير"؟!.
قطع تفكيري هذا ضجة أهلي حين بدأ المذيع  يتحدث عن المدن والمساحات التي استردها الجيش والقوات الرديفة في ريف حلب، وكيف وصلوا لتلة العيس التي تقع على بعد كيلومترات عنا ..
وفيما المذيع هو يعد القرى والمدن المحررة، كنت أنا أعد نبضات قلبي التي تسارعت على نبأ مفرح كهذا .. كنت أخاف الفرح حتى إذا ما انتهى أمري بخيبة أمل لا يكون حجم السوء كبيراً..
كان كثيرون هنا يتحدثون عن رجل يدعى "قاسم سليماني"، قالوا إنه حقق الانتصارات أينما حل برفقة الجيش السوري والحلفاء، ..ويقولون إنه جاء لتحرير ريف حلب لكسر الحصار عنا.. كان حديث الجميع في المدينتين المحاصرتين وكيف أنه بذل قصار جهده حتى فك حصار مدينتي نبل و الزهراء في حلب.
تخيلت اللحظة التي سيدخل بها ذاك الرجل المهيب حاملاً الفرج إلينا .. رجل جاء من بلاده البعيدة نصرة لنا، رجل يلاحق الحرب فيرد نارها من هنا، ويخمد نارها من هناك.. 
إنها التضحية بالنفس من أجل الآخرين، إنه الجهاد الحق... 
عزيمة الشباب في الفوعة وكفريا ارتفعت جداً بعد علمهم بأن الجنرال قاسم سليماني في حلب ويعمل على تحرير القرى هناك...
في وقت نسينا العالم بأسره وتركنا للموت نتقلب على توابيتنا جوعى ومحرومين، فلا منظمات أممية تحدثت عن أوضاعنا ولا حقوق إنسان ذكرتنا في محافلها.. صمت مريب خيم على قضيتنا من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية ...
كلنا نعيش على حلم اللقاء والفرج.. بدأت الخيارات تضيق و تم تناقل أخبار عن إخلاء كامل للفوعتين...
وبين نقض ووعد للهدن وما أكثرها، كنا نصارع الموت .. ونعود للجلوس حول الراديو نترقب الأخبار. 
أنا التي أحبذ الموت على ألا أخرج من الفوعة ومالي بالحياة خارج أرضي وبيتي.
انقسمت عائلتي بين من يفضل البقاء ومن يفضل الخروج وكلنا مسيّرون لا مخيرون.
وقفت على نافذة غرفتي أراقب المعارك البعيدة وقذائف النار والدموع تسيل على خدودي، وأدعو الله أن يختاروا الحل العسكري وأن يحرّرونا تحريراً مشرفاً يليق بما ضحينا به على أن نُهجر من أرضنا ونتركها للأعداء. 
أعدت شريط ذكريات عمر كامل في هذا البيت والحي والمدينة

لمن سنترك الشجر والورد؟ من سيفرش الدرب بالضحكات؟، وهل ستفرح الديار بغير أهلها؟.. 
من سيقرأ الفاتحة على قبور الأموات؟، من سيسقي الورد المشجون على قبور الشهداء؟.
من سيأخد بيتي، ونحن ترانا أين سنذهب ؟!
عدت لخيالي بأن يدخل القائد المهيب مع القوات العسكرية وهم يزفون النصر ونحن نرش عليهم الأرز والورود...
مشهد بعدها بسنوات رأيته، لكن على التلفاز والملايين تشيع ذاك القائد الجنرال سليماني، نال ما أراد وحظي بحلمه .. طالما انتظرته كما انتظرته ابنته .. لكنه رحل بلا وداع حتى .. رحل سليماني لكن ما يعزيني اليوم أن آلاف الأبطال من جند سليماني يسيرون على طريقه ...

المادة محمية وفق قانون النشر 2020@ وأي نسخ أو لصق دون ذكر المصدر سيعرضك للملاحقة القانونية


المشاهدات 1310
تاريخ الإضافة 2021/01/12 - 7:59 PM
آخر تحديث 2022/01/28 - 7:49 PM
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 710 الشهر 65535 الكلي 1012721
الوقت الآن
السبت 2022/1/29 توقيت دمشق
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير