شــعاع نيوز
Shuaa News
تعاون إيراني - روسي جديد...كيف سينعكس الاقتصاد على السياسة؟


شعاع/ خاص


بقلم: براء سمير إبراهيم



تعزيز التعاون المشترك بين إيران وروسيا في مجال الطاقة، هذا هو العنوان السياسي- الاقتصادي الأبرز في إيران اليوم، إذ أكد المدير العام لشركة النفط الوطنية الايرانية "محسن خجسته"، على تطوير العمل المشترك مع الجانب الروسي بقطاع الطاقة الإيرانية، في إطار الفرص التي أتاحها المعرض الدولي الـ 26 للصناعات النفطية المقام في العاصمة الإيرانية طهران.



في السياق نفسه أعلن السفير الإيراني لدى موسكو "كاظم جلالي" أن طهران سلمت المسؤولين الروس "خريطة عمل شاملة وكاملة للتعاون مع روسيا"، مشيراً إلى أن البلدين توصلا إلى قراراتٍ جيدة في قطاع النفط والغاز.

فما الذي يعنيه ذلك لكل من طهران وموسكو على حدٍ سواء؟

طهران تطمئن موسكو وترد الجميل:

بالنسبة لطهران فإن اختيار شركات الطاقة الروسية وعلى رأسها شركة "غازبروم" لتنفيذ مشاريع الاستثمار والتعاون فيما يتعلق  بتطوير حقول النفط والغاز الإيرانية، يشير إلى الكثير ومن ذلك ما يلي :

  • روسيا هي عضو فاعل في الإتفاق النووي الإيراني الذي يجري التفاوض الآن حول عودة الولايات المتحدة للإلتزام ببنوده عقب انسحابها منه في العام 2018، وإذا ما أشرنا إلى التزامن بين إعلان التعاون الاقتصادي المشترك الإيراني - الروسي وإعلان الجانبين الإيراني والأوروبي الاتفاق على استئناف مفاوضات ڤيينا بعد نحو شهرين من توقفها، فيمكننا القول إن طهران تحاول طمأنة الجانب الروسي بأن الضمانات التي سبق وطالبت موسكو واشنطن بمنحها إياها حول استمرار التعاون الروسي مع إيران، بعد عودة العمل بالاتفاقية النووية حتى في ظل العقوبات المفروضة على موسكو جراء عمليتها العسكرية في أوكرانيا، هي مكفولة ومجابة من قبل الجانب الإيراني بغض النظر عن تأكيدات الأمريكيين، بدليل أن طهران عقدت هذه الاتفاقيات مع موسكو بشكلٍ علني وسابق على التوصل إلى صيغةٍ نهائية للاتفاقية النووية.
  • اختيار طهران الشركات الروسية على وجه التحديد دون غيرها من شركات الطاقة العالمية الأخرى، لتنفيذ مشاريع تطوير النفط والغاز في البلاد، رغم أن المعطيات الحالية تؤشر إلى قرب استئناف الاتفاق النووي المعلق وبالتالي رفع العقوبات عن إيران وإمكانية عقدها اتفاقيات تعاون وشراكة مع شركات أوروبية أو أمريكية، يدل على عدم وثوق إيران بالطرف الآخر سواء من حيث جديته في رفع العقوبات بشكل فعلي وليس على الورق فقط كما جرى سابقاً، أو إمكانية نكسه للمعاهدة مرة أخرى على غرار ما حدث في الماضي، كما يدل على رغبة إيران القوية بتعزيز التحالف والشراكة الثنائية مع روسيا.
  • إن الاقتصاد الإيراني يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط والغاز، إذ تعتبر الطاقة أحد أبرز أعمدة الاقتصاد في إيران التي تدعم وتمول خزينة الدولة هناك، حتى أن المرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي وضع "عام الإنتاج القائم على المعرفة والمولد لفرص العمل" عنواناً للمرحلة المقبلة خلال خطابه في عيد النوروز الماضي، كذلك فإن الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي" جعل تطوير الاقتصاد وتخفيض معدل البطالة في إيران أحد أهداف حملته الانتخابية وأحد أهم أولويات إنجازات فترته الرئاسية، وبناءً على كل ما تقدم نقول إن السعي الإيراني نحو تطوير قطاع الطاقة في البلاد ليس إلا نتيجةً للمساعي السياسية والاقتصادية الحكومية لإنعاش الاقتصاد الإيراني وإبطال مفعول العقوبات.
  • إن توقيع طهران اتفاق التطوير والاستثمار بمجال الطاقة مع الجانب الروسي بالتحديد، قد يكون نوع من الشكر أو رد الجميل من طهران لموسكو، لأنه عندما فرضت الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب عقوبات على تصدير النفط الإيراني، أعلنت روسيا حينها استعدادها التام للتعاون مع إيران ومساعدتها على بيع نفطها رغم العقوبات والحظر الأمريكي المفروض عليها بشكل قسري.

موسكو وتقاطع المصالح مع طهران:

أما بالنسبة لروسيا فقد يطرح البعض سؤالاً في غاية الأهمية وهو :

لماذا تبادر روسيا إلى مد يد المساعدة لإيران في مجال تطوير قطاع النفط والغاز فيها؟، علماً أن إيران على بعد فترة قصيرة من رفع العقوبات عنها وعودة العمل بالاتفاقية النووية، وهو الأمر الذي إنْ حدث فمن شأنه أن يعيد إيران إلى سوقي النفط والغاز العالميين من جديد، وكما هو معروف فإنّ إيران تشكل منافساً رئيسياً لروسيا في هذا المجال، حيث تحتل إيران المرتبة الثانية في إنتاج واحتياطي الغاز العالمي بعد روسيا، كما أنها دولةٌ نفطيةٌ ذاتُ وزنٍ وثقل، وانخراط موسكو في تطوير حقول النفط والغاز في إيران من شأنه أن يزيد من حجم المنافسة، خاصةً وأن عودة إيران كمصدر عالمي للنفط والغاز سيؤدي إلى تخفيض أسعار النفط والغاز التي ارتفعت بشكل غير مسبوق منذ أربعة عشر عاماً، ما سيسبب ضرراً لروسيا التي تعد المستفيد الأكبر من ارتفاع أسعار الوقود نظراً لاعتماد اقتصادها على النفط والغاز وكذلك نظراً إلى التكاليف الباهظة التي تتكبدها جراء عمليتها العسكرية في أوكرانيا ما يجعلها بأمس الحاجة للحفاظ على هذا المستوى المرتفع في الأسعار.

وبالتالي يمكن تفسير إقدام موسكو على دعم قطاع الطاقة الإيراني في هذا الوقت تحديداً بما يلي :

  • من المحتمل أن يكون هناك اتفاق روسي - إيراني ينص على أن تتعاون موسكو مع طهران في مجال تطوير قطاع الطاقة الإيرانية، مقابل تأخير عودة إيران إلى سوق النفط والغاز العالمية عبر إطالة أمد التفاوض مع الغرب حول الاتفاق النووي، لأن في ذلك مصلحة مشتركة للطرفين، فبالنسبة لإيران فإن الارتفاع الحاصل الآن في أسعار الطاقة يسهم بشكل مهم في دعم الاقتصاد الإيراني، كما يعزز موقف إيران التفاوضي لأن إيران لن تكون مضطرة لتقديم أي تنازلات للطرف المقابل طالما أنها مستمرة في تصدير النفط والغاز وطالما أن الأسعار تحقق لها أرباحاً كبيرة، أما بالنسبة لموسكو فإن الفوائد المحققة هي تحقيق نوع من التوازن في الاقتصاد الروسي ما بين نفقات الحرب وعائدات النفط، وكذلك الضغط على الأوروبيين من أجل تحفيزهم على الخروج من تحت الجناح الأمريكي.
  • إذا ما أشرنا إلى أن شركات الطاقة الروسية لم تقدم على إبرام اتفاقيات تعاون مع الجانب الإيراني بمجال النفط والغاز فيما مضى بسبب العقوبات المفروضة على طهران في هذا القطاع، فإنه بإمكاننا تفسير اتخاذ روسيا هكذا خطوة على أنها محاولة من موسكو لكسر نفوذ واشنطن وعدم الاعتراف بشرعية قراراتها

عقب إقدامها على دعم النازيين الجدد في أوكرانيا، كذلك فإن موسكو تسعى إلى إيجاد أسواق جديدة تدعم اقتصادها بعد أن بدأت الأسواق الأوروبية تتخلى تدريجياً عن التعامل الاقتصادي والتجاري مع روسيا.

  • إن موسكو بمساعدتها طهران على تطوير قطاع النفط والغاز واكتشاف حقول وآبار جديدة، تسعى إلى إطالة عمر الطاقة التقليدية العالمية واستدامتها لأطول فترةٍ ممكنة خاصةً وأن الاقتصاد الروسي قائم بشكل شبه كامل على عائدات النفط والغاز خصوصاً والطاقة التقليدية عموماً، لاسيما بعد التقارير الاقتصادية التي تتحدث عن قرب نفاد مخزون النفط والغاز العالمي وانتهاء كمياتها بفاصلِ سنواتٍ معدودة، وكذلك عقب المحاولات الأمريكية والأوروبية لاعتماد الطاقة المتجددة كبديلٍ عن الطاقة التقليدية، إذ قال الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في هذا السياق :

"السياسيون في الغرب تكهنوا بالقلق الطبيعي للناس بشأن حالة المناخ، مستهينين بأهمية الطاقة التقليدية".

- احتمال أن يكون التعاون الروسي الأخير مع إيران هو مقابل روسي لعدة خيارات من الممكن أن تتخذها طهران ومنها :

* تقديم إيران ضمانات لروسيا بعدم تحولها إلى مصدرِ غازٍ رئيسي بديل لأوروبا عن الغاز الروسي بعد رفع العقوبات عن طهران.

*تزويد طهران لموسكو بمعلوماتٍ وأسرار حول طرق بيع النفط والغاز في ظل سريان مفعول العقوبات الأمريكية والغربية، إذ يرى بعض الخبراء إمكانية أن تحذو روسيا حذو إيران في المستقبل القريب الذي من الممكن أن نشهدَ فيه فرضَ حظرٍ على تصديرِ النفط والغاز الروسي.

*الاتفاق على تعزيز التعاون والتنسيق المشترك بين الطرفين بخصوص قطاع النفط والغاز من كميات الإنتاج والأسعار والأسواق.

*بيع النفط والغاز الإيراني عقب رفع العقوبات بعملاتٍ أخرى غير الدولار الأمريكي كالين الصيني أو الروبل الروسي أو حتى التومان الإيراني، على غرار القرار الروسي الأخير ببيع الغاز للدول غير الصديقة بالعملة المحلية الروسية، وذلك في سبيل القضاء على ظاهرة "البترودولار" وتأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد قائم على تعددية الأقطاب.

إذاً مشاريعٌ اقتصاديةٌ جديدةٌ مشتركة، لا يمكن أن يُنظر إليها بمعزل عن التطورات السياسية الحالية، فما بينَ التحالف الثلاثي الصيني – الروسي - الإيراني على المستوى العالمي، ومحور المقاومة الإسلامية على الصعيد الإقليمي، فإن العالم بإنتظارِ ولادةِ نظامٍ سياسيٍ واقتصاديٍ جديد لكن هذه المرة لن تكون واشنطن بالتأكيد زعيمة هذا النظام البتَّة.



حقوق النشر محفوظة للموقع@2022 وأي نسخ أو لصق دون ذكر المصدر سيعرضك للملاحقة القانونية



 


المشاهدات 3339
تاريخ الإضافة 2022/05/21 - 11:20 PM
آخر تحديث 2022/06/29 - 12:52 AM
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1167 الشهر 65535 الكلي 2226110
الوقت الآن
الخميس 2022/6/30 توقيت دمشق
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير